ابن عجيبة
28
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يسيرون بالليل كذلك فيصبحون حيث ارتحلوا ، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضىء لهم ، وكان طعامهم المن والسلوى ، وماؤهم من الحجر الذي يحمله موسى ، واختلف في الكسوة ، فقيل : أبقى اللّه كسوتهم معجزة لموسى ، وقيل : كساهم مثل الظفر . والأكثر أن موسى وهارون كانا معهم زيادة في درجاتهما ، وكان عقوبة لقومهما وأنهما ماتا فيه ، مات هارون أولا ودفنه أخوه في كهف ، وقيل : رفع على سرير في قبة ، ثم مات موسى - عليه السّلام - ودفن بقرب من الأرض المقدسة ، رمية بحجر ، كما في الحديث ، ثم دخل يوشع الأرض المقدسة بعد ثلاثة أشهر . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى لموسى عليه السّلام : فَلا تَأْسَ أي : لا تحزن ، عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ، خاطبه الحق تعالى بذلك لمّا ندم على الدعاء عليهم ، فقال له : إنهم أحق بذلك لفسقهم وعصيانهم . الإشارة : يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه من المريدين : ادخلوا الحضرة المقدسة التي كتب اللّه لكم ، إن دمتم على جهاد أنفسكم ، وصدقتم في طلب ربكم ، وبقيتم في تربية شيوخكم ، ولا ترتدوا على أدباركم بالرجوع عن صحبة شيوخكم من الملل مع طول الأمل ، فتنقلبوا خاسرين ، فإن حضرتي محفوفة بالمكاره ، والطريقة الموصلة إليها مرصودة للقواطع والعوائق ، فإن كان ممن لم يكتب له فيها نصيب ، قال : لن ندخلها أبدا ما دام القواطع فيها ، ورجع على عقبيه ، يتيه في مهامه شكوكه وأوهامه ، وإن كان ممن سبقت له العناية وحقت به الرعاية قال : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فيبادر إلى قتل نفسه ، من غير تأن ولا خوف ولا فزع ، فحضرة التحقيق لا ينالها إلا الشجعان ، ولا يسكنها إلا الأكابر من أهل العرفان ، وإلى ذلك أشار صاحب العينية بقوله : وإيّاك جزعا لا يهولك أمرها * فما نالها إلا الشّجاع المقارع وقال الورتجبي في قوله تعالى : لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي : من بلغ عين التمكين ملك نفسه وملك نفوس المريدين ؛ لأنه عرفها بمعرفة اللّه ، وقمعها من اللّه بسلطان سائس قاهر ، من نظر إليه يفزع من اللّه ، لا يطيق عصيانه ظاهرا وباطنا ، فأخبر عليه السّلام عن محلّ تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه ، وأعلمنا أن بينهما اتحادا ، بحيث إنه إذا حكم على نفسه صار « 1 » نفس أخيه مطمئنة طائعة لله بالانفعال . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمنون كنفس واحدة » « 2 » . ه . ثم تكلم الحق جل جلاله على بقية حفظ الأبدان ، فبيّن أول من سنّ القتل ووبال من تبعه ، فقال :
--> ( 1 ) هكذا في الأصول وكذا في تفسير الورتجبي ، وأرى أنها ( صارت ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( البر والصلة ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ) عن النعمان بن بشير ، بلفظ : ( المؤمنون كرجل واحد . . ) .